سيد محمد طنطاوي
531
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ويقولون بأسف وندامة وحسرة : يا هلاكنا أقبل فهذا أوان إقبالك . ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل عليه هذا الكتاب : * ( ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) * ؟ أي : أي شيء ثبت لهذا الكتاب ، حيث نراه لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها علينا ، وسجلها في صحف أعمالنا . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه . ونفاذ قدرته وكمال عدله ، فقال : * ( ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ، ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * . أي : ووجدوا ما عملوه في الدنيا حاضرا ومسطورا في صحائف أعمالهم ، ولا يظلم ربك أحدا من العباد ، وإنما يجازى كل إنسان على حسب ما يستحقه من ثواب أو عقاب كما قال - سبحانه - : ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها ، وكَفى بِنا حاسِبِينَ « 1 » . وكما قال - عز وجل - : إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ، وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ، ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْراً عَظِيماً « 2 » . قال الإمام ابن كثير وقوله : * ( ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * أي : فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعها ، ولا يظلم أحدا من خلقه ، بل يغفر ويصفح ويرحم ، ويعذب من يشاء ، بقدرته وحكمته وعدله . وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى ، عن القاسم بن عبد الواحد المكي ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلي ، فسرت إليه شهرا ، حتى قدمت عليه الشام ، فإذا عبد اللَّه بن أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر على الباب ، فقال : ابن عبد اللَّه ؟ فقلت : نعم ، فخرج يطأ ثوبه ، فاعتنقنى واعتنقته ، فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه ، فقال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : يحشر اللَّه - عز وجل - الناس يوم القيامة ، عراة غرلا بهما ، أي : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من
--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية 47 . ( 2 ) سورة النساء آية 40 .